محمد متولي الشعراوي

1847

تفسير الشعراوى

تكون كلمة اللّه هي العليا فكيف يرضى لنفسه بهذه المهانة وهي إخفاء الغنيمة ؟ إنه يحارب من أجل أن تكون كلمة اللّه هي العليا ، ويجب أن يكون في مستوى ذلك . وبعد ذلك يأتي الحق بالقضية العامة : « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ » ، وهي تشمل الغلول في الغنيمة والغلول في غير الغنيمة ، ولنتصور هذه بالنسبة لكل من يخون أمانة أؤتمن عليها ، وأنه سيأتي يوم القيامة يحمل عمارة - مثلا - لأنه بناها بغير أمانة أو يحمل أطنانا من سمك لأنه سرقها ، أو يحمل أطنانا من الجبن الفاسد التي استوردها . فكل من سرق شيئا سيأتي يوم القيامة وهو يحمله ، وإذا كنا نشهد أن الناس لا تطيق أن تفضح بين الخلق ، والخلق محدودون لأنهم المعاصرون ، فما بالك بالفضيحة التي ستكون لعموم الخلق من أول آدم إلى أن تقوم الساعة . إذن فعلى كل إنسان أن يحرس نفسه لأن المسألة ستنفضح . « وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » وما دام سبحانه سيوفى كل نفس ما كسبت فكل سيأخذ قدر ما فعل ، فلا ظلم ، فلو ترك الأمر بلا حساب لكان هذا هو الظلم وحاشا للّه أن يظلم أحدا . وبعد تلك التهيئة والإيضاح يقول سبحانه : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) والحق سبحانه وتعالى حين يطرح بعض القضايا طرح الاستفهام ، فهو يطرحها لا ليعلم هو فهو عالم ، ولكن ليستنطق السامع ، ونطق السامع حجة فوق خبر المخبر ، فلو قال : إن الذي يتبع رضوان اللّه لا يساوى من ذهب إلى سخط اللّه لكان ذلك إخبارا منه وهو صادق فيما يقول ، لكنه سبحانه يريد أن يستنطق عباده بالقضية ، « أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ » ، « باء » أي : رجع « بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ » .